عزّت القمحاوي: لا أدب بلا أيديولوجيا... واليوميّ أساس في كتابتي
ليس من مهمّة الكاتب أن يتنبأ بالمستقبل، ولا تستطيع الكتابة أن تدّعي قدرتها على إنقاذ مستقبل العالم، ولا حتى مستقبل الكاتب نفسه. وكم من كاتبٍ واجه قدره العبثيّ من دون أن يتمكن من فعل شيءٍ أمامه؟
هذه الخفة في روح الكاتب، المسافر الأبدي صوب الإبداع بثقل العالم وعبثيته هي التي تميز كتابات الروائي والقاص عزت القمحاوي (1961). قدم القمحاوي للقرّاء أكثر من خمسة عشر نصاً، ما بين الرواية والقصة وحصد جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأميركية عن روايته "بيت الديب" وجائزة سمير قصير لحرية الصحافة عن مقالة "عمارة الريبة".
ترجمت أعماله إلى أكثر من لغة منها الإنكليزية والإيطالية والصينية لينفذ للمتلقى عبر طواف سردي حسي متعدد، بنى الجماليات بروح تتوغل في ماهية العزلة والوحدة والخواء في الزمان والمكان، فاتحاً للبشر آفاقاً من أجل العيش السويّ والعبور بالأحلام صوب الحرية والعدل والجمال. وذلك من خلال سبر أغوار أسئلة ذاتية/ وجودية محيرة طُرحت في كثيرٍ من أعماله، وتحديداً الأخيرة منها. وفي هذا السياق، التقت "النهار العربي" المبدع عزت القمحاوي وسألته بداية:
* في كتبك الثلاثة الأخيرة والعابرة للنوعية «غرفة المسافرين» و«غربة المنازل» و«الأيك». تظهر تيمات الموت في واقع يحاط فيه البشر بالأوبئة والحروب، فما مدى التأثر بالواقعي واليومي في ما بلورت من رؤى، خاصة عند أبطال "غربة المنازل"؟
ـ في ما أكتب، سواء كانت كتابة تخييلية رواية أو قصة أو كانت كتابة مفتوحة، أحب أن تكون الكتابة لعبة، أو بالأحرى أن تبدو في خفة اللعب، لكنه لعب ينطلق من الواقع ويخدمه. بعد حقبة الواقعية الاشتراكية بالغ بعضهم في التنصل من المسؤولية الاجتماعية للأدب بدعوى «موت القضايا الكبرى» وموت الأيديولوجيا، لكنّ ذلك كان وهماً ساذجاً، فالذي مات مع سقوط الاتحاد السوفياتي كان أيديولوجية واحدة تُفسح لأخرى منتصرة استمتعت بنصرها الكاسح الذي لم يعد يتحمله العالم.
الضياع الذي نعيشه في عالمنا العربي اليوم هو نتيجة النصر الكاسح كما يبدو، بمعنى نتيجة لتحول الجمهوريات العسكرية إلى ملكيات غير دستورية، لكن ذلك لم يكن سوى العرض لنصر الرأسمالية المتوحشة. وما تعانيه أوروبا من تخبط وصعود لليمين المنغلق ليس سوى نتيجة ثلاثة عقود من نصر الرأسمالية المتوحشة. اليمين ضيّق الأفق يرى مشكلته في المهاجرين، بينما مشكلته الحقيقية في جوهر الرأسمالية المالية التي ركزت الثروة في أعمال السمسرة لا الإنتاج.
هكذا، لا أستطيع بينما أكتب أو أحلم في منام أن أتخلى عن الواقع الذي يعاني ـ كما تقول ـ الأوبئة والحروب. وبرأيي أنه لا أدب بلا أيديولوجيا، حتى العجائبي والفنتازي، ولنا في «ألف ليلة وليلة» النص العربي الذي علّم العالم أسوةً، فالليالي مليئة بالسخرية والإسقاط السياسي.
* وهل الواقع فقط ما يدفع بظواهر الغربة والغرابة والتغريب في كتابتك، أم هو موقفك الوجودى ورؤيتك الفنية لما يجب أن تكون عليه الحياة؟
ـ أعتقد أن النصّ حصيلة تكوين كاتبه واستجابته للواقع وطريقة تفسيره له معاً. وبرأيي أنّ حدثاً مثل الموت هو من أكثر حقائق الوجود ثباتاً ووضوحاً. وهو بالنسبة إليّ أهم دوافع الحياة. الوعي بالموت لا يدفع إلى اليأس بل إلى تثمين الحياة والعناية بالوقت الممنوح لنا فيها. وهذا ما قد تراه في رواية من رواياتي الأولى «غرفة ترى النيل» حيث يستعذب مريض الغرفة عيسى كل لحظة وكل متعة صغيرة في أيامه الثلاثة الأخيرة للحياة، وحيث يستعيد على سريره كل حياته السابقة وكأنّه يكرّرها بالتذكر.

* تعمل كثيراً على كسر التابوهات ويبدو"الأنموذج" المروي في ترميزاته حاملاً الكثير من ثقل الشعر وعمق وجزالة المعنى وفرادة التورية والكناية، ألم تخش يوماً عدم وصول رؤيتك للقارئ، وهل أنت معنيّ بالقارئ أم تنشغل بكتابة رؤيتك فقط؟
ـ لا أسعى لكسر شيء، بل لتوسيع نطاق حريتي بينما أكتب. لم يثر أي من أعمالي صداماً مع سلطة دينية أو اجتماعية أو سياسية، ربما أثارت بعض الأعمال قلقاً وتوتراً لدى هذه الأطراف من دون أن تتمكن من الإمساك به، وتبدو «مدينة اللذة» و«ما رآه سامي يعقوب» مثالين لهذا التوتر المكتوم، بينما تضم كل أعمالي شخصيات منفتحة إلى هذا الحد أو ذاك.
وأشك دائماً في الأدب عندما يعلو صوته، وأعتقد أن الأعمال التي تثير الضجة هي الأعمال المحدودة القيمة حتى في مسيرة كاتبها نفسه. الأدب ابن التخفي، لأن هذا هو أصل اللعبة وأصل الشراكة في المتعة مع القارئ. وأنا أضع القارئ في اعتباري، لكن ليس أي قارئ، والمجاز هو العلامة الفارقة للأدب التي تميزه عن اللغة اليومية برخاوتها. وأظن أن المجاز هو مطلب قراء الأدب الذين أضمرهم بينما أكتب.

* طرحت رؤيتك عن القهر والاستبداد والديكتانورية وثورات الحاضر والماضي والعصف بالأحلام. كيف إذاً ترى مستقبل العالم، وجدوى الكتابة وكيف ترى دورك كروائي في ظل النسف الصريح لمفاهيم معينة أو المطالبة بقيم وأحلام الإنسان بالحرية والعدل؟
ـ كثير عليّ وعلى أي كاتب أن يتنبأ بالمستقبل، ولا تستطيع الكتابة أن تدعي أن بقدرتها إنقاذ مستقبل كاتبها نفسه. لقد مات كاتبان مصريان في شجار مع سائق ميكروباص، ومات كتّاب كثر بداء الكبد الذي كانت مصر محلّ إقامته لأسباب بينها الفساد. لكنّ الأدب لا يتخلى عن رفع الصخرة لأعلى. هو الأمل ربما، الرغبة في أن يكون الإنسان موجوداً ربما، وربما نستمد عنادنا من قراءة الماضي لا المستقبل، والماضي يقول إن البشرية؛ أفراداً وأمماً خرجت من محن أكبر مما نحياه الآن، كانت الحروب تأتي بالأوبئة عالقة في أحذية الجند الأحياء وفي جثث المقتولين، وكانت البشرية تقوم مجدداً بعد دفع أثمان باهظة.
* عن صرع الأحلام والذوات وفتنة العشق عند تيدازيو وآشنباخ بطلي نص "الموت في فينيسيا" في عملك الأثير "غرفة المسافرين"... ليتك تحدثنا عما وراء هذا الطرح الفلسفي وما هي المحركات أو الحوادث الواقعية التي دفعتك لكتابة "غرفة المسافرين"؟
ـ "غرفة المسافرين" فرضته على روحي عزلة كوفيد التي حرمتني من السفر وهو من أحب النشاطات إلى قلبي، وفي ظل ذلك الحرمان أخذت أتأمل السفر بوصفه موتاً مجازياً نعود منه لنرى ما ومن تركناهم خلفنا وقد استمرت حياتهم على هذا النحو أو ذاك، بينما لا نستطيع العودة من الموت الحقيقي لنعرف ذلك. وعلى هذا النحو كان تأمل ما يثيره السفر من مشاعر وأفكار، من المتع إلى الموت والخلود وبينهما تأمل الجمال ذاتياً أو استقراؤه في كتب أحبها مثل «الموت في البندقية» و«الأمير الصغير» وألف ليلة وملحمة جلجامش.
في «الموت في البندقية» يتجلى التحديق في الموت وملاقاته كما تتجلى عدوانية الجمال وسلطته التي جعلت آشنباخ يستهتر بتهديد الكوليرا مسحوراً بجمال الصبيّ تيتازيو، حتى قتله الوباء.

* ما بين شهوة الإبداع والحب المفعم بالإغواء في "يكفي أننا معاً"، هل لتكوينك الذاتي أو النفسي / الحياتي دور في تكثيف تلك الرؤية أم أن تلك الأشكال من الكتابة تمثل تيمات من الحلم والخلاص تخص الكاتب الوجودي عزت القمحاوي؟
ـ لا يستطيع الكاتب أن يتجاوز تكوينه الذاتي وميوله الفكرية. كنت سعيداً وأردت أن أكتب رواية تحتفي بالحياة والحب، لكنني لم أتمكن من تجاهل روحي. وصار ما حملته الرواية من عاطفة وشهوات وتأمل للجمال في خدمة الحلم والرؤية الوجودية، بل وتأمل عدوانية الجمال الكامل الذي يوقظ وعينا بنقصنا، سواء تجلى هذا الجمال في الشخصية «خديجة» أو في المكان «كابري» وقد انهزم البطل الكهل تحت سطوة هذا الكمال.
* عن مفردات السلوى والخلاص والجدوى، كيف يرى الروائي عزت القمحاوي لحظة النهاية من رحلة كتابة عمل، وهل ينتهي حلم الكاتب بالخلاص مع الانتهاء من كتابة نصه؟
ـ نفعل ما نحبه، أكتب لأنني أحب أن أكتب وتعقب الانتهاء من الكتابة لحظة خواء، ربما تشبه لحظة ما بعد الولادة عند المرأة، كما أستطيع أن أتخيلها وكما وصفتها نساء صادقات، ثم بعد ذلك يستقر الإحساس بالنقص وبأنني لم أصل لما كنت آمله، ومن هذا الإحباط يولد الأمل من جديد والرغبة في التعويض بعمل آخر. أخطر ما يمكن أن نفقده هو الحلم. بعده لن يكون هناك سوى البياض المطلق.

* عن المكان واللامكان في كل عناوينك، وتحديداً الروائية والعابر للنوعية "غرفة المسافرين"... ما هو مفهومك الواقعي للمكان، هل نحن من نسكن الأماكن، أم هي الأماكن التي تسكن أرواحنا، وكيف كان شعورك بتلك الظلال وأنت تطرح الجزء الثاني من "الأيك في المباهج والأحزان"؟
ـ أظن أنّنا في حالة جدل وصراع دائم مع المكان. هو الأقوى يفرض شروطه، يفرضها علينا كبشر بوجه عام ويفرضها على الكاتب. أشعر أن الأماكن تكتب معي، هناك بين أعمالي ما تبدو فيه سطوة الصمت وقد كتبتها في مكان استثنائي. «مدينة اللذة» و«البحر خلف الستائر» كتبتا خارج مصر، و«غربة المنازل» كتبت في عزلة كوفيد. وبخصوص سؤال: تسكننا الأماكن أم نسكنها؟ أظن أن البشر نوعان. نوع يسكن الأماكن وهذا النوع يتنقل كلما ضاق عليه المكان أو تغيرت طبيعته، وهذا يفسر المطاردة العمرانية التي نعيشها في مصر على سبيل المثال، في شكل ارتحال دائم بين الأحياء يمارسه الأغنياء في المدينة وفي المنتجعات الشاطئية على السواء. وهناك من تسكنه الأماكن فلا يستطيع أن يغيرها، ويستعيض عن ذلك بإقامة حوار معها رغبة في أنسنتها وإعادة التفاهم معها. والكتابة تخلق هذا الحوار، من أجل ذلك ضم الأيك في طبعته الجديدة حواراً جديداً مع عمارة القاهرة وتخطيطها.
نبض