سوخوي الجزائر في النيجر... الأمن القومي يتجاوز الحدود
هي دول حبيسة بمعظمها، لا إطلالة بحرية لها، وتتوسط الصحراء الكبرى في القارة الأفريقية، لكنها تُعرف بدول الساحل. أما السبب، فبحسب المتعارف عليه أن العرب قديماً أطلقوا تسمية "الساحل"، بمعنى "حافة الصحراء". ويمثل هذا الإقليم حزاماً طبيعياً يفصل بين بيئتين متباينتين: الصحراء القاحلة شمالاً، وأراضي السافانا والمناخ المداري الرطب جنوباً، كما يفصل شمال القارة المطل على البحر المتوسط عن باقي أفريقيا.
والواقع السياسي في هذه البقعة من العالم لا يقل قسوة عن جغرافيتها الصعبة. فهي قلّما عرفت استقراراً طويلاً، وعلى الرغم من أن دولها من الأغنى بالموارد الطبيعية، فإنها تبقى من الأفقر، ما يساهم أكثر في عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي يتوسع، في أحيان كثيرة، ليشمل أكثر من دولة.
قبل أيام قليلة، تناقلت وسائل الإعلام العالمية خبر محاولة انقلاب في النيجر، لكن أخبار الانقلابات في أفريقيا تكاد تكون جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي العام.
وما رآه العالم خبراً عابراً، وجدت فيه الجزائر مساً بأمنها القومي، وهي التي تحسبت لمثل هذه التطورات عندما أدخلت تعديلات جوهرية على دستورها عام 2020، كان من أبرزها ما مسّ عقيدتها العسكرية وحدود تحرك الجيش خارج البلاد.
فقد جاءت المادة 91 لتمنح رئيس الجمهورية صلاحية إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج وفق شروط برلمانية مشددة، إذ تنص على أنه "يقرر إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان".
وفي المادة 31 أيضاً، "يمكن للجزائر، في إطار احترام مبادئ وأهداف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، أن تشترك في عمليات حفظ السلام في الخارج".
وسبق ذلك كله ما نصت عليه المادة 30 لجهة دور الجيش في "الدفاع عن المصالح الحيوية والاستراتيجية للبلاد طبقاً لأحكام الدستور".
سوخوي خارج الحدود
فشل الانقلاب في النيجر جاء بمساعدة روسية مباشرة، في وقت تعزز موسكو نفوذها في منطقة الساحل بعد التراجع الحاد للدور الفرنسي.
وفي الجزائر، تحركت 5 طائرات تابعة لسلاح الجو، 4 منها من طراز "سوخوي سو-30"، والخامسة للدعم اللوجستي والتزود بالوقود جواً، وتوجهت في رحلة هي الأولى من نوعها بهذا الشكل إلى خارج حدود البلاد، نحو العاصمة النيجرية نيامي.
وجاء في بيان لوزارة الدفاع الجزائرية أن هذه العملية تؤكد "التزام الجزائر الثابت وعزمها على مواصلة جهودها من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة".
الكاتب والباحث في الشؤون الأمنية والجيوستراتيجية، العقيد الركن المتقاعد في الجيش الموريتاني البخاري محمد مؤمل، يرى أن نظاماً إقليمياً جديداً بدأ يتشكل منذ سنوات في منطقة الساحل، "ساهمت فيه عدة تغيرات جيوسياسية، بعضها في المنطقة وبعضها من خارجها".
ويركز في حديثه مع "النهار" على أن صراع الولايات المتحدة مع الصين في المحيط الهادئ، وانشغال واشنطن بالحرب في الشرق الأوسط، وأوروبا بحرب أوكرانيا، جعل منطقة الساحل بعيدة نسبياً من اهتمام الغرب، فيما ملأت هذا الفراغ قوى دولية مثل الصين وروسيا، وأخرى إقليمية مثل تركيا وإيرانوالجزائر.
ويرى أن إرسال الطائرات إلى النيجر هدفه أيضاً التأكيد على دور الجزائر الإقليمي، وأن "روسيا والجزائر حليفان نظرياً، ولكن التحالف لا يمنع وجود منافسة خافتة بين الطرفين. والجزائر لا تريد أن تبقى منطقة الساحل لروسيا أو أي دولة أخرى، هي أيضاً قوة إقليمية وتريد أن تعزز دورها في المنطقة".
وبالتوازي مع الرأي العسكري، لا يبدي الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية الدكتور محمد تورشين أي شك في أن الجزائر "أصبحت لاعباً إقليمياً مهماً وأساسياً في منطقة الساحل الأفريقي، انطلاقاً من الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها المنطقة بالنسبة إلى أمنها القومي، على المستويين الأمني والعسكري، إلى جانب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بها".
ويشير لـ"النهار" بشكل خاص إلى دور الجزائر في عدد من المشاريع الإقليمية العابرة للحدود، ومن بينها مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، "بما يمنح الأخيرة أهمية استراتيجية في العلاقات الجزائرية مع دول المنطقة".

النفوذ الدولي والمصالح الإقليمية
الكباش الدولي على شكل النظام العالمي يعني حكماً محاولة بسط النفوذ على المناطق التي تتمتع بموارد طبيعية غنية ومهمة لاقتصادات الدول الكبرى، وهنا تتصدر أفريقيا المشهد، فيما تترجم المسألة بصراع نفوذ بين القوى الأوروبية التقليدية والولايات المتحدة وروسيا والصين.
وقد أدى تراجع الدور الفرنسي إلى فتح الساحة في دول الساحل أمام تمدد الوجود الروسي، وتحديداً العسكري، بواسطة "فيلق أفريقيا"، الوريث الرسمي لمجموعة "فاغنر".
وفي السياق، يؤكد العقيد البخاري محمد مؤمل أن "النفوذ الروسي متزايد وقوي"، ويرى أن تدخل موسكو الحاسم في إفشال الانقلاب في النيجر "سيعطيها أيضاً ثقة في دول الساحل الأخرى، على الرغم من أن تدخلها ضد الجماعات الجهادية لم يشهد النجاح الذي كان ينتظر منها".
ويستطرد بأن روسيا ليست القوة الوحيدة، "فهناك قوى إقليمية أخرى تتشارك المنطقة مع روسيا، مثل الجزائر وتركيا".
وعلى مستوى المنافسة الدولية، لا يستبعد أن يكون للصين "وجود عسكري أكثر وضوحاً في المستقبل القريب أو المتوسط".
أما تورشين، فلا يشكك بدوره في أن روسيا "باتت لاعباً حاضراً بقوة" في عدد من الملفات، ولا سيما في منطقة الساحل الأفريقي، وأن "الجزائر تُعد من القوى الإقليمية المؤثرة التي تربطها علاقات تاريخية واستراتيجية قوية بروسيا"، خصوصاً في مجال التسليح والتعاون العسكري.
ولا يرى تعارضاً مباشراً بين التوسع الروسي في أفريقيا والحضور والنفوذ الجزائريين، إذ إن الجزائر، بحكم موقعها وقدراتها، "تُعد قوة إقليمية تسعى أساساً إلى حماية مصالحها وأمنها القومي"، بينما تتحرك روسيا باعتبارها قوة دولية ذات طموحات أوسع بكثير، "تشمل توسيع حضورها العسكري والأمني والاقتصادي في أفريقيا، والوصول إلى مناطق جديدة، بما فيها دول خليج غينيا".
أمن الساحل والإقليم
أزمة الساحل لا تقتصر على الأمن القومي الإقليمي والمصالح الدولية ومدى تضاربها أو مواءمتها بعضها مع بعض، فهناك مسائل أخرى تتعلق بالخلافات الداخلية وظهور مجموعات جهادية وتوسع نشاطها.
وعليه، فإن الاستقرار في منطقة الساحل لا يبدو قريب المنال، وهي نقطة يتقاطع عندها مؤمل من موريتانيا، وتورشين المقيم في فرنسا.
بالنسبة إلى الأول، فإن "المنطقة قادمة على توترات... ولا بوادر على أن الأوضاع سوف تتحسن"، لكنه يرى أن تدخل الجزائر "ربما يساهم في الوصول إلى حلول تفاوضية مع جماعات الطوارق كما كان الحال في مالي، أما مع الجماعات الجهادية فلا أعتقد أن الأوضاع في سبيل التحسن".
وعند تورشين، فإن المشهد الأفريقي، وخصوصاً في منطقة الساحل، "يتجه نحو قدر أكبر من التعددية والتنافس بين القوى الدولية والإقليمية". وقد أصبحت المنطقة ساحة تتقاطع فيها مصالح روسيا والولايات المتحدة وأوروبا والصين، إلى جانب القوى الإقليمية وفي مقدمها الجزائر، وهو ما يجعل "التحولات الجيوسياسية في الساحل مرشحة لمزيد من التعقيد خلال السنوات المقبلة".
نبض