أزمة كهرباء تُشعل تونس... موجة حر أم خلل في المنظومة؟

شمال إفريقيا 24-07-2026 | 09:54

أزمة كهرباء تُشعل تونس... موجة حر أم خلل في المنظومة؟

في حي التضامن غربي العاصمة، تقول أم ياسين (56 عاماً): "لدينا طفل مريض ووالدتي مسنة، ولم نتمكن من تشغيل جهاز التنفس أو المكيف. كانت ليلة صعبة جداً".
أزمة كهرباء تُشعل تونس... موجة حر أم خلل في المنظومة؟
صاحب متجر بقالة يستخدم ضوء هاتفه المحمول خلال انقطاع للتيار الكهربائي ليلاً في مدينة أريانة التونسية. (رويترز)
Smaller Bigger

منذ أيام، يعيش آلاف التونسيين على وقع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، تزامنت مع واحدة من أشد موجات الحر التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، إذ قاربت درجات الحرارة في بعض المناطق 50 درجة مئوية.

وبين ساعات طويلة من الظلام، وتوقف أجهزة التكييف والثلاجات ومضخات المياه، تحولت الأزمة إلى مصدر قلق يومي للأسر والمؤسسات، وأثارت موجة غضب واسعة أعادت إلى الواجهة تساؤلات حيال قدرة منظومة الكهرباء في تونس على الصمود أمام الطلب المتزايد، وأسباب تكرار هذا السيناريو رغم التحذيرات المتكررة من الخبراء.

وفيما تربط السلطات الانقطاعات بالارتفاع القياسي في الاستهلاك، يرى خبراء أن موجة الحر كشفت اختلالات أعمق في قطاع الكهرباء، تراكمت نتيجة ضعف الاستثمارات وبطء تحديث الشبكات وتأخر مشاريع الطاقة.

 

محطة لتوليد الكهرباء في مدينة ماطر التونسية، في 21 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب)
محطة لتوليد الكهرباء في مدينة ماطر التونسية، في 21 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب)

 

معاناة يومية

في حي التضامن غربي العاصمة، تقول أم ياسين (56 عاماً) إن التيار الكهربائي أصبح ينقطع يومياً ولساعات طويلة.

وتضيف في حديثها لـ"النهار": "لدينا طفل مريض ووالدتي مسنة، ولم نتمكن من تشغيل جهاز التنفس أو المكيف. كانت ليلة صعبة جداً".

أما حسين، صاحب محل لبيع منتجات الدواجن في مدينة أريانة، فيقول إن الانقطاعات المتكررة ألحقت به خسائر بعد تلف جزء من البضائع المحفوظة داخل الثلاجات.

ويضيف لـ"النهار": "الخسائر كبيرة، ولا نعرف كيف سنعوضها".

وفي محافظة أريانة، أعلن مستشفى عبد الرحمان مامي، المتخصص في الأمراض الصدرية، عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك"، استقبال أعداد متزايدة من مرضى القصور التنفسي، في ظل موجة الحر واستمرار اضطرابات التزود بالكهرباء.

وتعكس هذه الشهادات أزمة تجاوزت معاناة الأسر، لتطال القطاع الصحي والأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية.

وخلال جولة ميدانية أجرتها "النهار" ليلاً في عدد من أحياء العاصمة، بدا تأثير الانقطاعات واضحاً على الحركة التجارية، إذ أغلقت مقاهٍ ومطاعم ومحال تجارية أبوابها مبكراً بعدما تعذر عليها مواصلة نشاطها، في وقت كانت تستقبل فيه الزبائن حتى ساعات متأخرة من الليل.

وفي موازاة ذلك، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق احتجاجات في عدد من المناطق، حيث خرج سكان إلى الشوارع للمطالبة بإعادة التيار الكهربائي.

 


 

إجراءات لحماية الشبكة

تؤكد السلطات أن الانقطاعات تأتي في إطار إجراءات اضطرارية لحماية الشبكة الوطنية من الانهيار نتيجة الارتفاع غير المسبوق في الطلب على الكهرباء.

وبررت الشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ" الانقطاعات اليومية بارتفاع الاستهلاك إلى مستويات قياسية بسبب موجة الحر.

وأوضحت الشركة أنها اضطرت إلى اعتماد القطع الدوري والمتناوب للكهرباء بين الجهات، لتفادي انهيار كامل للشبكة، أو ما يعرف بـ"البلاك آوت".

وقال الرئيس المدير العام للشركة، فيصل طريفة، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن الاستهلاك تجاوز 5000 ميغاواط، بزيادة تراوحت بين 30 و33 في المئة مقارنة بالأيام العادية، نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف.

وتشير معطيات رسمية إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء بنحو 30 في المئة، فيما تحدثت تقارير اقتصادية عن عجز في القدرة الإنتاجية يناهز 400 ميغاواط خلال فترات الذروة.

وتعوّل تونس على الجزائر لتغطية جزء من احتياجاتها عند ارتفاع الطلب، غير أن طريفة أوضح أن زيادة الاستهلاك في الدول المجاورة تحد من إمكان توفير إمدادات إضافية، ما يفرض الاعتماد على القدرات المحلية للإنتاج.

 

 

الحرارة ليست وحدها السبب

لا يقنع التفسير الرسمي جميع المتابعين لقطاع الطاقة، إذ يرى خبراء أن موجة الحر لم تكن سوى العامل الذي كشف أزمة هيكلية تراكمت على مدى سنوات.

ويقول عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب عصام شوشان إن شبكة الكهرباء في تونس "تعاني منذ سنوات من نقص الاستثمارات"، معتبراً أن الأزمة الحالية "لم تكن مفاجئة، بل هي نتيجة سنوات من غياب التخطيط الاستراتيجي".

ويضيف لـ"النهار" أن البرلمان صادق خلال السنوات الماضية على اتفاقيات قروض مخصصة لتطوير الشبكة الكهربائية وتعزيز إنتاج الطاقة، "غير أن تنفيذ المشاريع ظل بطيئاً، ولم ينعكس على واقع المواطنين".

ويتابع: "كنا نعلم منذ سنوات أن الطلب على الكهرباء سيرتفع بفعل التغيرات المناخية، وكان من المفترض الاستثمار في تحديث الشبكات وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة، لكن ذلك لم يحدث بالنسق المطلوب".

ويرى شوشان أن الأزمة تجاوزت الجانب الفني، لتتحول إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تمس مختلف القطاعات، قائلاً: "المواطن هو أول من يدفع الثمن. الأسر تقضي ساعات طويلة في درجات حرارة مرتفعة، والمؤسسات الاقتصادية تتكبد خسائر متزايدة".

وينتقد النائب التونسي غياب ما وصفه بـ"استراتيجية استشرافية" لإدارة الأزمات، معتبراً أن التعامل الحالي يقتصر على احتواء التداعيات بعد وقوعها بدلاً من الاستعداد لها مسبقاً.

ويتساءل عن استمرار شغور حقيبة الطاقة وإدارتها بالنيابة، معتبراً أن قطاعاً بهذا الحجم "يحتاج إلى قيادة مستقرة في ظل التحديات التي يواجهها".

 

 

أزمة مالية ومسؤولية سياسية

تواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز منذ سنوات صعوبات مالية متفاقمة، أثرت في قدرتها على تطوير الشبكة والاستجابة للطلب المتزايد.

ويشير شوشان إلى أن الشركة، رغم الاعتمادات المالية والقروض المخصصة لإصلاحها، "لا تزال تواجه تحديات كبيرة تحد من قدرتها على تنفيذ المشاريع المطلوبة".

وتظهر البيانات الرسمية ارتفاع مديونية الشركة بشكل لافت، في وقت تحتاج فيه إلى استثمارات بمئات ملايين الدنانير لتحديث الشبكة والحد من الأعطال ورفع القدرة الإنتاجية.

وفي هذا السياق، اعتبر وزير الطاقة الأسبق منجي مرزوق أن المسؤولية عن الأزمة "سياسية قبل أن تكون فنية".

وأوضح، في تدوينة نشرها على صفحته في "فيسبوك"، أن الشركة لا تضع السياسة الوطنية للطاقة، ولا تتولى إعداد التشريعات المنظمة للقطاع أو السياسات المتعلقة بالطاقات المتجددة، وإنما يقتصر دورها على الجوانب الفنية وتشغيل الشبكة.

وأرجع مرزوق تدهور خدمات الكهرباء إلى ضعف الاستثمار في إنتاج الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع، وبطء تنفيذ مشاريع الطاقات المتجددة، إلى جانب محدودية الاستثمارات في قطاع الغاز اللازم لإنتاج الكهرباء وضمان استقرار التزود.

وتتقاطع هذه القراءة مع تساؤلات شوشان بشأن مصير مشروع "إلميد" (ELMED) للربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، إذ أشار إلى أن البرلمان صادق قبل نحو عامين على خمس اتفاقيات قروض مرتبطة بالمشروع، الذي كان يُعوّل عليه لتعزيز أمن الطاقة في تونس والحد من أزمات التزود.

وبين التبريرات الرسمية التي تربط الانقطاعات بموجة الحر، والانتقادات التي تحمّل سنوات من ضعف الاستثمار والتخطيط مسؤولية الأزمة، تبدو اضطرابات الكهرباء هذا الصيف مؤشراً إلى خلل أعمق، قد يتكرر مع كل موجة حر جديدة ما لم تُعالج الاختلالات الهيكلية في قطاع الطاقة.

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/24/2026 6:01:00 AM
تعكس الأحاديث المتداولة في بعض المجالس الخاصة لقيادات سورية تفاوتاً واضحاً في المعلومات. وقد يشير هذا التباين إلى أن الملف محصور ضمن دائرة ضيقة.
النهار بيديا 7/23/2026 9:12:00 PM
بعد أشهر من توليها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عُيّنت الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة وزيرةً للخارجية في اليمن، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من 25 عامًا في إدارة البرامج الحكومية، والتعاون الدولي، والتفاوض مع الجهات المانحة
ايران 7/23/2026 5:59:00 PM
أعلن الموساد الإسرائيلي إحباط مخطط قال إن إيران تقف وراءه لاغتيال مسؤولين داخل إسرائيل، متهماً وزارة الاستخبارات الإيرانية بتجنيد شبكات إجرامية ومنفذين أجانب
لبنان 7/23/2026 3:29:00 PM
نفت قوى الأمن الداخلي صحة الأخبار المتداولة عن العثور اليوم على حقيبة تحتوي على متفجرات في عين المريسة، موضحة أن حقيبة مشبوهة عُثر عليها أمس تبيّن بعد تفجيرها أنها فارغة.