مسيّرات بيد جماعات متطرفة... تحوّل نوعي يفاقم قلق ليبيا على حدودها الجنوبية

شمال إفريقيا 20-06-2026 | 06:10

مسيّرات بيد جماعات متطرفة... تحوّل نوعي يفاقم قلق ليبيا على حدودها الجنوبية

رصد مراقبون ومنظمات دولية معنية بمتابعة نشاط الجماعات الإرهابية استخدام المسيّرات بشكل مكثف من قبل جماعات متطرفة في أفريقيا.
مسيّرات بيد جماعات متطرفة... تحوّل نوعي يفاقم قلق ليبيا على حدودها الجنوبية
لقطة من فيديو نشرته "جماعة نصرة الإسلام" من هجمات بالمسيرات في مالي. (النهار)
Smaller Bigger

تطوّق الصراعات حدود ليبيا الجنوبية. لكن تسجيل استخدام الطائرات المسيّرة "درون" على نطاق واسع من قبل التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي والصحراء يمثّل تطوراً نوعياً يفاقم القلق من وصول هذه التقنيات الفتّاكة إلى جماعات راديكالية تسعى إلى إيجاد موطئ قدم في الجنوب الليبي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، رصد مراقبون ومنظمات دولية معنية بمتابعة نشاط الجماعات الإرهابية استخدام المسيّرات بشكل مكثف من قبل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" الموالية لتنظيم "القاعدة" في هجماتها ضد المواقع الحكومية في مالي. بالمثل، نفّذ تنظيم "داعش" عمليات قصف بالمسيّرات في النيجر وبالقرب من حدود تشاد، ناهيك بحضور هذا السلاح في الصراع المسلح في السودان.

 

المسيّرات تغيّر قواعد المواجهة

 

لفت "منتدى الدفاع الأفريقي"، وهو منصة ترعاها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم"، ومخصصة لمناقشة القضايا الأمنية، إلى أن استخدام الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل وبحيرة تشاد الطائرات المسيّرة قصيرة ومتوسطة المدى "أظهر تحولاً نحو الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة لتقليل الخسائر في أوساط المسلحين ورفع الكلفة على حكومات دول المنطقة".

وأشار المنتدى إلى تنوع المسيّرات المستخدمة، بين طائرات صينية الصنع مخصصة للاستطلاع من طراز "فلاي دراغون إف دي جي 410"، فيما كانت "نصرة الإسلام والمسلمين" أول تنظيم مسلح في منطقة الساحل يستخدم تكنولوجيا الألياف الضوئية مع المسيّرات، بعدما استخدمتها أوكرانيا لصد الهجمات الروسية. كما سُجّل استخدام مسيّرات تجارية مزودة بتقنية التوجيه عبر الفيديو.

بدوره، قدّر مرصد تتبع الإرهاب العالمي عدد الطائرات المسيّرة التي حصل عليها تنظيم "داعش" في غرب أفريقيا بنحو 35 طائرة خلال عام 2025، بينها طرازات جاهزة للاستخدام، وقادرة على حمل متفجرات يصل وزنها إلى 1.5 كيلوغرام، وتطير بسرعة 60 كيلومتراً في الساعة.

 

لقطة من فيديو لاستهداف عناصر من الفيلق الروسي في مالي بواسطة المسيّرات. (النهار)
لقطة من فيديو لاستهداف عناصر من الفيلق الروسي في مالي بواسطة المسيّرات. (النهار)

 

مخاوف أمنية على الحدود الليبية

 

يقول مسؤول عسكري ليبي لـ"النهار" إن "هذا النشاط المتزايد يثير قلق الأوساط الأمنية في ليبيا، خصوصاً مع اتساع جغرافيا الجنوب وطول الشريط الحدودي مع النيجر وتشاد والسودان، وعدم امتلاك ليبيا التكنولوجيا المضادة للمسيّرات في المقابل". ويشير إلى أن بلاده طلبت أجهزة رصد وتتبع حرارية لمراقبة الحدود من دول غربية، لكن الأخيرة "تربط تلبية هذه الاحتياجات بتسوية ملفات أمنية وسياسية عالقة".

وللتنظيمات الأصولية "تاريخ في استخدام المسيّرات، وبات لدى عناصرها خبرة وباع في استخدام هذه التكنولوجيا وتطوير تقنياتها"، وفق الخبير في الجماعات الإسلامية الراديكالية ماهر فرغلي، الذي يؤكد بدوره "تنوع الطرازات التي رُصد استخدامها في الساحل الأفريقي، ومنها مسيّرات أوكرانية في مالي، ما يشي بانتقال بعض تداعيات الصراع الروسي - الأوكراني إلى غرب أفريقيا".

ويرجّح فرغلي، في حديثه لـ"النهار"، "توسع استخدام هذا السلاح خلال المرحلة المقبلة، بل قد تصل قدرات هذه التنظيمات إلى تصنيع كامل للمسيّرات". ويرى أن هذا التطور النوعي "يمنح الجماعات الإرهابية قدرات إضافية ويساهم في توسع نشاطها، خصوصاً في أفريقيا".

 

التكنولوجيا وحدها لا تصنع النفوذ

 

بدوره، يقول الأكاديمي الليبي المتخصص في التحديات الأمنية الدكتور يوسف الفارسي لـ"النهار": "أصبحت المسيّرات تمثل تحدياً بعدما تحولت إلى وسيلة تستخدمها الجماعات الإرهابية لتنفيذ هجمات أو جمع معلومات أو استهداف منشآت حيوية. ولذلك تتجه الدول إلى تطوير أنظمة مضادة للمسيّرات".

ويشير إلى أن انتقال تكنولوجيا المسيّرات إلى الجماعات الإرهابية "أصبح واقعاً في عدد من مناطق النزاع. فقد تمكنت جماعات إرهابية مختلفة خلال السنوات الماضية من الحصول على طائرات مسيّرة تجارية أو تطوير نماذج محلية الصنع واستخدامها لأغراض عسكرية، سواء للاستطلاع أو لنقل متفجرات أو لتنفيذ هجمات محدودة". ويعزو هذا التطور إلى عوامل عدة، منها "سهولة الحصول على بعض المسيّرات التجارية من الأسواق العالمية، وانخفاض كلفة تصنيعها أو تعديلها، إضافة إلى انتشار شبكات تهريب الأسلحة والمعدات في مناطق النزاعات".

ويحذر الفارسي من أن احتمالات استخدام الجماعات الإرهابية للمسيّرات في ليبيا قائمة، خصوصاً "إذا توافرت بيئة تُمكّن لهذه الجماعات من الحصول على التكنولوجيا أو المعدات اللازمة". ويلفت إلى أن "ثمة عوامل تفاقم هذا الخطر، على رأسها اتساع الحدود الليبية وصعوبة مراقبتها بالكامل، وانتشار شبكات التهريب العابرة للحدود، وحالة عدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق، وانتشار الجماعات المتطرفة في بعض دول الجوار بمنطقة الساحل والصحراء، وسهولة تهريب المكونات الإلكترونية المستخدمة في تصنيع المسيّرات".

لكن قدرة الجماعات المتطرفة - في المقابل - على إنشاء موطئ قدم دائم في ليبيا أو غيرها من الدول العربية "لا تعتمد فقط على امتلاك المسيّرات، بل ترتبط أيضاً بعوامل سياسية وأمنية واجتماعية، مثل قوة مؤسسات الدولة، وكفاءة الأجهزة الأمنية، ومستوى التعاون الإقليمي والدولي في مكافحة الإرهاب"، وفق الفارسي.