تناتش خريطة ليبيا... صراع على الموارد أم استعراض للنفوذ السياسي؟
تعكس معضلة الأقاليم التي اشتعلت خلال الآونة الأخيرة في ليبيا انتقال الصراع على الثروة والنفوذ من قمة الهرم السياسي إلى القاعدة المجتمعية والقبلية.
وفي توقيت حساس تتصاعد فيه الجهود الدولية لإعادة إنتاج سلطة موحدة وتوحيد الإنفاق العام وتوزيعه بصورة عادلة، أعلن قياديون في مصراتة (غرب ليبيا) مدينتهم ومحيطها إقليماً رابعاً في ليبيا تحت مسمى "إقليم الوسط"، بهدف "توحيد بلديات المنطقة الوسطى ضمن إطار إداري واحد، كإطار للتنسيق والتعاون المشترك بما يخدم التنمية المحلية وتحسين الخدمات"، وفق بيان حمل توقيع عمداء (رؤساء) تسع بلديات.
وأضاف البيان أن الخطوة تأتي "استجابة لرغبات أهالي المنطقة، وبناء على ما تمر به الساحة المحلية والدولية"، معتبراً أن "ميلاد الإقليم ليس مجرد إعلان تنظيمي، بل خطوة نحو مستقبل أكثر تنسيقاً".
بعد الرابع... إقليم خامس!
وفي خضم ردود الفعل المتباينة التي أثارتها الخطوة، مضى رئيس حزب "القمة" عبد الله ناكر في الاتجاه نفسه، معلناً تأسيس إقليم خامس تحت مسمى "إقليم الحمادة الحمراء"، ويضم مناطق جنوب غربي العاصمة الليبية قرب المثلث الحدودي مع تونس والجزائر.
ويبرر ناكر الخطوة بـ"فشل الأطراف المتصارعة في فرض سلطتها على كامل ليبيا، وتعثر تشكيل حكومة موحدة، ما طرح على طاولة النقاش حلاً يقوم على توزيع الموازنة والمناصب على الأقاليم ومنحها صلاحيات واسعة في إطار حكم ذاتي شبه فيدرالي".
ويشير رئيس حزب "القمة" إلى التقسيم التاريخي لليبيا إلى ثلاثة أقاليم هي برقة شرقاً، وطرابلس غرباً، وفزان جنوباً، لكنه ينتقد هذا الطرح، معتبراً في تصريح لـ"النهار" أنه "يواجه إشكاليات عديدة، إذ إن إقليم طرابلس يتجاهل العديد من المدن التي كانت تاريخياً جزءاً منه، ومن هنا جاء الإعلان عن إقليم الحمادة الحمراء حتى لا تضيع حقوق شريحة واسعة من الليبيين بين مصالح القوى المتنافسة".
ويرى ناكر أن إعلان مصراتة إقليماً رابعاً يمثل "محاولة لإيجاد نوع من التوازن العددي والسياسي في أي مفاوضات مستقبلية"، مؤكداً أن مشروعه لتأسيس إقليم خامس هو "وسيلة لحماية الحقوق وضمان التمثيل العادل في أي ترتيبات سياسية أو إدارية مقبلة". ويشدد على أن الخطوة "لا تستهدف تقسيم ليبيا، بل تمثل استجابة لواقع فرضته مشاريع تقسيم النفوذ".

خطوات بلا صفة قانونية
لكن المستشار القانوني الليبي علاء الدين بن عثمان يرى أن إعلان مصراتة إقليماً رابعاً ثم الإعلان عن تأسيس إقليم الحمادة الحمراء "لا يمكن قراءته كخطوة إدارية عادية، بل يعكس حالة متنامية من عدم الرضا عن آليات إدارة الدولة وتوزيع الموارد والسلطة".
ويؤكد لـ"النهار" أن هذه الخطوات، مهما كانت دوافعها، "لا تكتسب صفة قانونية ملزمة إلا من خلال إطار دستوري وتشريعي معتمد، لأن رسم شكل الدولة أو تعديل تقسيماتها ليس من اختصاص المبادرات المحلية"، محذراً من أن "أي محاولة لفرض واقع سياسي جديد خارج إطار الدولة قد تفتح الباب أمام مزيد من التعقيد في المشهد الليبي".
الأقاليم أم أزمة الإدارة؟
ويعتقد بن عثمان أن المشكلة "ليست في غياب الأقاليم، بل في غياب السياسات العادلة والرقابة الفاعلة والإدارة الرشيدة"، موضحاً أن تحقيق التنمية يحتاج إلى "إرادة سياسية حقيقية ومؤسسات قوية، وليس بالضرورة إلى خرائط جديدة وأقاليم إضافية".
ويعتبر أن توقيت هذه الإعلانات هو العنصر الأهم، لأنها جاءت بالتزامن مع تصاعد الحديث عن إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وتوحيد الإنفاق العام والدخول في ترتيبات سياسية جديدة.
بن عثمان يضيف أنه "لا يمكن فصل هذه التحركات عن حسابات النفوذ والتأثير السياسي، فكل الأطراف الفاعلة تسعى إلى ضمان موقعها في أي تسوية مقبلة. وإعلان الأقاليم يحمل في جانب منه رسالة مفادها أن بعض المناطق تريد أن تكون شريكاً أساسياً في صنع القرار".
ويشدد على أن "المطالب بتطبيق اللامركزية ليست خطراً في حد ذاتها، لكن الخطورة تكمن في تحولها إلى مشاريع سياسية متنافسة خارج إطار الدولة"، مؤكداً أن "وحدة ليبيا يجب أن تبقى خطاً أحمر".
من جهته، يرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد امطيريد أن الأقاليم الليبية الثلاثة، برقة وطرابلس وفزان، "ليست مجرد تسميات جغرافية، بل تستند إلى مكونات تاريخية وسياسية واجتماعية ساهمت في تأسيس الدولة وصوغ هويتها".
ويحذّر في تصريح لـ"النهار" من أن استحداث أقاليم جديدة أو إعادة رسم الخرائط السياسية تحت مسميات مستحدثة "يثير تساؤلات جدية حيال أهدافه الحقيقية"، مؤكداً أنه لا توجد مطالب شعبية واسعة أو ضرورة وطنية ملحة تدفع بهذا الاتجاه خارج السياق التاريخي المعروف.
ويضيف امطيريد أن إنشاء أقاليم جديدة كلما برزت أزمة سياسية أو منافسة على النفوذ "قد يتحول إلى عملية تفكيك تدريجي للنسيج الجغرافي والتاريخي الليبي"، معتبراً أن هذه الطروحات "تبدو أقرب إلى مناورات سياسية وصراع على النفوذ منها إلى مشروع إصلاحي فعلي".
ويختم بالتأكيد أن أي تعديل في البنية الإدارية أو السياسية للدولة يجب أن يخضع لنقاش وطني عميق ومعايير دستورية واضحة وتوافق وطني شامل، لا لحسابات ظرفية أو ردود فعل مرتبطة بصعود طرف على حساب آخر، مشدداً على أن ليبيا تحتاج إلى معالجة جذور الأزمة المتمثلة في المركزية المفرطة وسوء توزيع التنمية وضعف الإدارة المحلية، لا إلى فتح أبواب جديدة للخلاف حول الخرائط.
نبض