تونس في عيد العمال... هل تنجح القيادة الجديدة لاتحاد الشغل في استعادة نفوذه؟
في مناخ يتسم بتوتر متصاعد بين السلطة والاتحاد العام التونسي للشغل، يُحيي عمال تونس عيدهم العالمي هذا العام على وقع تغييرات نقابية لافتة، بعد انتخاب قيادة جديدة تواجه تحديات سياسية ومالية وتنظيمية متراكمة. ويأتي هذا التحول في لحظة دقيقة بالنسبة إلى أكبر منظمة نقابية في البلاد، وسط تساؤلات بشأن قدرتها على استعادة دورها التاريخي كلاعب مؤثر في المشهد التونسي.
قيادة جديدة واختبار مبكر
بعد أزمة داخلية كبيرة ضربت صفوفه وأحدثت انقسامات داخلية، انتخب الاتحاد العام التونسي للشغل، نهاية آذار/ مارس، مكتباً تنفيذياً جديداً برئاسة صلاح الدين السالمي، على أمل أن يعيد للهيكل النقابي زخمه ونفوذه كفاعل رئيسي وقويّ في المشهد التونسي.
يقول المحلل السياسي بسام حمدي لـ"النهار" إن "الأزمة الداخلية التي عاشها الاتحاد ساهمت في إضعافه"، مشيراً إلى أنها تُعتبر واحدة من أكبر الأزمات في تاريخ المنظمة التي تأسست قبل استقلال تونس عام 1946.
ويُعد اتحاد الشغل أكبر منظمة نقابية في تونس، وقد لعب دوراً محورياً في رعاية الحوار الوطني عام 2014، إلى جانب عدد من المنظمات الوطنية، ما ساهم في إنهاء الصراع السياسي بين الإسلاميين والعلمانيين، ونالت تلك الجهود جائزة نوبل للسلام.
لكن الاتحاد فقد جزءاً كبيراً من نفوذه منذ الإجراءات الاستثنائية التي شهدتها البلاد عام 2021. وبعدما كان لاعباً رئيسياً في الحياة السياسية، رغم أنه ليس حزباً سياسياً، تراجع تأثيره بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.

علاقة متوترة مع السلطة
تشهد العلاقة بين الاتحاد والسلطة توتراً متزايداً، إذ تقول المنظمة النقابية إن هناك محاولات لخنقها والتضييق عليها، بعدما ألغت الحكومة آلية الاقتطاع المباشر لرسوم الاشتراكات من أجور الموظفين، إلى جانب إقرار زيادات في الأجور من دون المرور عبر مفاوضات اجتماعية، خلافاً لما جرت عليه العادة.
ورغم أن الاحتفال بعيد العمال بات أقل زخماً في السنوات الأخيرة، فلا يزال الاتحاد العام التونسي للشغل يرفع المطالب الأساسية نفسها المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ودعت القيادة الجديدة إلى تجمع نقابي احتفالاً بعيد العمال، في أول تحرك ميداني لها، وهو ما يُنظر إليه باعتباره اختباراً أولياً لقدرتها على إعادة رصّ صفوف النقابيين واستعادة حضورها في الشارع.
ويأتي عيد الشغل هذا العام في ظلّ أوضاع اقتصادية صعبة يعاني منها التونسيون، فيما أقرّت السلطات زيادات في الأجور ضمن موازنة العام الحالي من دون التفاوض مع اتحاد الشغل.
إعادة تعريف الدور النقابي
يقول مراقبون إن أبرز التحديات التي تواجه القيادة النقابية الجديدة تتمثل بإعادة تعريف دور الاتحاد، والحفاظ على موقعه كفاعل رئيسي في المشهدين السياسي والاجتماعي في تونس.
ويرى حمدي أن "القيادة الجديدة تواجه رهانات متعدّدة، أولها رأب الصدع الداخلي، وإعادة توحيد الصفوف، وتجميع النقابيين حولها، وثانيها فرض نفسها مجدداً كقوة قادرة على التأثير في السياسات العامة، ولا سيما في الملفات الاجتماعية المتعلّقة بالمفاوضات وزيادة الأجور وتعديل قوانين الشغل، في مواجهة سلطة لا تؤمن بدور الأجسام الوسيطة، مثل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، في الشأن العام".
ويلفت إلى أن "القيادة الجديدة ستكون أمام رهان صعب يتمثل بالموازنة بين إرث الاتحاد النضالي ومتطلّبات المرحلة الحالية".
أزمة مالية تهدّد المنظمة
يعاني الاتحاد العام التونسي للشغل أزمة مالية خانقة تهدد استمراره، بعدما قررت الحكومة وقف العمل بآلية الاقتطاع المباشر لرسوم الاشتراك من أجور الموظفين.
ويضع هذا القرار القيادة الجديدة أمام تحدّي إيجاد موارد مالية بديلة. ويقول حمدي: "سيكون المكتب الجديد للاتحاد أمام رهان القدرة على جمع رسوم الاشتراكات بشكل مباشر من العمال".
وأعلنت القيادة الجديدة خطة تقشفية تشمل التخلي عن أغلب الامتيازات الممنوحة لأعضاء المكتب التنفيذي، في رسالة موجّهة إلى منخرطي الاتحاد، تؤكد استعدادها للتضحية من أجل الحفاظ على المنظمة النقابية.
في المجمل، يبدو إحياء عيد العمال العالمي هذا العام بالنسبة إلى اتحاد الشغل لحظة مفصلية في تاريخ منظمة شكّلت لعقود طويلة الحصن الأبرز للدفاع عن حقوق العمال في تونس.
نبض