نشاط أوروبي في الساحل السوري... انفتاح حذر على هواجس الأقليات
من زيارة وزيرة الدولة الألمانية سيراب غولر إلى طرطوس واللاذقية، وصولاً إلى لقاء رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في سوريا ميخائيل أونماخت شخصيات دينية ومدنية علوية في طرطوس، بدا أن الساحل السوري دخل، ولو بحذر، دائرة اهتمام أوروبي مباشر. ولا يعني ذلك أن بروكسل أو العواصم الأوروبية دشّنت سياسة خاصة تجاه الساحل أو المكوّن العلوي، لكنه يعكس اهتماماً متزايداً ببيئة تعيش مرحلة انتقالية حساسة، وتواجه هواجس أمنية واجتماعية وسياسية متراكمة.
ويطرح هذا الحراك تساؤلات حيال حدود الانخراط الأوروبي في الساحل، وما إذا كان يندرج ضمن النشاط الديبلوماسي المعتاد، أو يشكّل مؤشراً إلى مقاربة أوروبية أكثر انفتاحاً على المكوّنات المحلية في سوريا.
من البيانات إلى اللقاءات
يقوم الموقف الأوروبي المعلن تجاه سوريا، في خطوطه العامة، على دعم الاستقرار والتعافي، وتشجيع مسار سياسي أكثر شمولاً، مع التشديد على حماية الأقليات وضمان مشاركة مختلف المكوّنات. غير أن انتقال هذا الخطاب من البيانات الرسمية إلى لقاءات مباشرة في الساحل يمنحه بعداً إضافياً، ولا سيما أن المنطقة تحمل هواجس أمنية واجتماعية متراكمة، فيما تبحث أطراف كثيرة فيها عن قنوات تواصل لا تمر حصراً عبر المركز السياسي في دمشق.
وينسجم ذلك مع خطاب أونماخت نفسه عن انتقال العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا من القطيعة إلى شراكة جديدة، تشمل التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، انطلاقاً من اعتبار استقرار سوريا مصلحة أوروبية مباشرة.
في هذا السياق، حظي لقاء أونماخت في طرطوس باهتمام خاص، ليس بسبب توقيته فحسب، وإنما أيضاً لاختيار منزل الشيخ محمد علي يونس، بما يحمله من رمزية دينية واجتماعية داخل البيئة العلوية، بدلاً من مقر رسمي أو سياسي، مكاناً للاجتماع. ولم يرشح عن اللقاء سوى ما كتبه الشيخ محمد عبد الله ميهوب، أحد الوجوه الدينية في المجتمع العلوي، الذي وصفه بأنه جمع جزءاً من أبناء المكوّن العلوي "من مختلف الاتجاهات الدينية والمدنية".
وكتب ميهوب أن أونماخت اختار منزل الشيخ يونس "ليكون مساحة لقاء وحوار"، معتبراً أن المجتمع العلوي حضر فيه "بوجهيه المدني والديني"، تعبيراً عن خصوصية هذا المجتمع. وأشار إلى أن هواجس الساحل حضرت في النقاش، إلى جانب التطلع إلى دور أوروبي في دعم الاستقرار وصون الكرامة والتنوع والخصوصية الثقافية.
وعلى الحساب الرسمي لأونماخت وبعثة الاتحاد الأوروبي، ظهرت زيارة طرطوس ضمن برنامج أوسع شمل شركة "زين فارما للصناعات الدوائية" وجولة في المدينة القديمة، مع التركيز على التعافي الاقتصادي وصون التراث الثقافي وتعزيز الحوار المجتمعي، فيما بقي لقاء منزل الشيخ يونس خارج الصياغة الرسمية المباشرة.

بلا أبعاد سياسية؟
يقول مصدر حضر اللقاء لـ"النهار" إن "الاجتماع ضم، باقتراح من الشيخ يونس، ممثلين عن معظم شرائح المجتمع العلوي، الدينية والمدنية والنسائية". وبحسب المصدر "لم يكن اللقاء سياسياً بأي معنى، ولا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل".
ويضيف أن "الرؤية العامة التي انطلق منها أونماخت ارتبطت بضمان الاستقرار والاستماع إلى هواجس العلويين في الساحل، من دون السعي إلى فتح قناة سياسية خاصة أو إنتاج تمثيل جديد للمكوّن العلوي". كما ينفى وجود أي رابط بين زيارة أونماخت إلى طرطوس وزيارة غولر إلى سوريا.
من جهته، يرى الدكتور محمد حبش أن لقاء أونماخت بالشيخ يونس يكتسب طابعاً "اعتبارياً" بالدرجة الأولى، نظراً إلى أن الرجل يمثل الاتحاد الأوروبي في سوريا. ويشير، في حديثه إلى "النهار"، إلى أن مثل هذه اللقاءات "لا تتم خارج علم السلطة السورية، وإنما تتحرك ضمن إطار مصالحها والمصالح السورية العامة"، معتبراً أن هذه الزيارات "ينبغي أن تُقرأ بإيجابية، بوصفها جهداً يتكامل مع عمل الدولة ولا يتعارض معه".
ويضيف حبش أن النظام السابق كان يضع أي تواصل مع جهات دولية في خانة "العدوان" أو "الخيانة"، وكانت الأجهزة الأمنية تتحرك للإساءة إلى الأشخاص الذين ينجحون في فتح قنوات تواصل خارجية.
ويقول: "اليوم لدينا تفكير آخر في الدولة"، معتبراً أن منطق تخوين كل تواصل مع الخارج "أصبح من الماضي"، لأنه "غير عقلاني وغير منطقي" في عالم بات "قرية واحدة". ويشدد حبش على أن "هذه الاتصالات تتم بصورة قانونية ومرخصة، وينبغي النظر إليها باعتبارها جهوداً مساندة لخطط الدولة".
مقاربة أوروبية حذرة
ولم يقتصر نشاط أونماخت على طرطوس، إذ شملت زيارته اللاذقية أيضاً، حيث التقى المحافظ أحمد مصطفى، وزار مستشفى اللاذقية لأمراض وجراحة القلب. غير أن مصادر "النهار" تشير إلى أن الزيارة تضمنت كذلك لقاءات مع فعاليات دينية ومدنية في المحافظة، من دون تغطية علنية مماثلة لما حدث في طرطوس، وهو ما يعكس حساسية التواصل الأوروبي مع بيئات محلية تخشى التأويل السياسي لأي لقاء خارجي.
وسبقت زيارة أونماخت جولة أجرتها وزيرة الدولة في الخارجية الألمانية سيراب غولر قبل أسبوعين. وقدّم البيان الرسمي الألماني الجولة على أنها زيارة سياسية واقتصادية تشمل الحكومة وقطاع الأعمال والمجتمع المدني ومختلف مجموعات الأقليات، مع محطات خارج دمشق، بينها طرطوس واللاذقية وحلب.
وبذلك بدت زيارة غولر أقرب إلى اختبار فرص الانخراط الاقتصادي والسياسي الألماني في سوريا الجديدة، أكثر من كونها تواصلاً خاصاً مع الساحل، وإن كان إدراج طرطوس واللاذقية ضمن برنامجها قد أضفى على الجولة دلالة إضافية.
وبين زيارة غولر ولقاءات أونماخت، تتضح ملامح مقاربة أوروبية حذرة تقوم على دعم السلطة المركزية في دمشق، مع توسيع قنوات التواصل مع المجتمعات المحلية. وهذه المقاربة لا ترقى حتى الآن إلى سياسة أوروبية خاصة بالساحل، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار سوريا لا يقتصر على العلاقة مع الحكومة، وإنما يرتبط أيضاً بالإصغاء إلى هواجس المكوّنات المحلية، وفي مقدمها العلويون في الساحل، خلال المرحلة الانتقالية.
في المحصلة، قد يكون لقاء طرطوس أقل مما أضفى عليه البعض من أبعاد سياسية، لكنه يتجاوز كونه زيارة اجتماعية عابرة. وتكمن أهميته في توقيته، ومكان انعقاده، وطبيعة الحضور الذي فضّل عدم الظهور، والرسالة الضمنية التي حملها، وهي أن أوروبا تسعى إلى الاستماع مباشرة إلى هواجس الساحل، فيما يسعى أبناء المنطقة إلى إيصال رؤيتهم من دون أن يتحول ذلك إلى اصطفاف سياسي جديد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.
نبض