من جبل الشيخ إلى لبنان… كيف تعيد إسرائيل رسم الجبهة؟

المشرق-العربي 31-03-2026 | 18:54

من جبل الشيخ إلى لبنان… كيف تعيد إسرائيل رسم الجبهة؟

من جبل الشيخ إلى البقاع، تتقاطع مؤشرات ميدانية على تبدّل في طبيعة الضغط الإسرائيلي على "حزب الله".
من جبل الشيخ إلى لبنان… كيف تعيد إسرائيل رسم الجبهة؟
جنود إسرائيليون خلال عبور من السفح السوري لجبل الشيخ باتجاه منطقة مزارع شبعا، في عملية قال الجيش الإسرائيلي إنها الأولى من نوعها عبر هذا المسار. (إكس)
Smaller Bigger

شكّل إعلان الجيش الإسرائيلي عبور وحدة "الألبينيست" من السفح السوري لجبل الشيخ إلى منطقة جبل دوف/مزارع شبعا تطوراً عسكرياً لافتاً على الجبهة الشمالية. فالجيش قال إن القوة نفّذت، للمرة الأولى، عبوراً برياً عبر هذا المسار، سيراً على الأقدام وسط الثلوج، في مهمة خُصصت للمسح وجمع المعلومات وتحديد بنى معادية.


وما يجعل الحدث مهماً ليس حجم القوة ولا طبيعة المهمة، بل التحوّل الذي يكشفه في استخدام الأرض السورية: من ساحة تحيط بالمواجهة إلى محور من محاورها المباشرة.

 

رأي
مجد بو مجاهد
ماذا تحقّق إسرائيل عبر جبل الشيخ والبقاع الغربي؟
تركزت التهديدات والاعتداءات على قرى سحمر ويحمر والدلافة وقليا وزلايا. ودعا الناطق باسم الجيش الاسرائيلي افيخاي أدرعي الاهالي للتوجه شمالاً

 

قرار سياسي… وترجمة ميدانية
جاء الكشف عن العملية بعد ساعات من إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو توسيع العمليات في جنوب لبنان، ضمن خطة لتوسيع "المنطقة الأمنية". هذا التزامن منح العملية وزناً إضافياً، إذ بدت كأنها ترجمة ميدانية لقرار سياسي أوسع، يهدف إلى توسيع هامش الحركة الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية، لا مجرد مهمة استطلاعية معزولة.


وعلى وقع ذلك، بدأ موقع جبل الشيخ يكتسب معنى مختلفاً. فالقمة التي سيطرت عليها إسرائيل بعد أسابيع قليلة من سقوط النظام لم تعد مجرد مرصد استخباري، بل أخذت تتحول إلى منصة انطلاق وعبور، أي إلى جزء من هندسة الحركة البرية على الجبهة الشمالية.


لم يكن هذا التحول ليظهر لولا التغيرات الميدانية والسياسية التي شهدتها الساحة السورية خلال الأشهر الماضية، وسط غموض لا يزال يلف طبيعة التفاهمات التي جرى الحديث عنها بين دمشق وتل أبيب، ولا سيما بعد اجتماع باريس في كانون الأول/ديسمبر. ومع غياب مؤشرات واضحة إلى قدرة دمشق، أو رغبتها، في ضبط الحدود، بدا أن إسرائيل تتصرف على أساس أن الساحة السورية أصبحت أقل تكلفة وأكثر قابلية للاستخدام العسكري مقارنة بما كانت عليه سابقاً.



محور شرقي… ضغط من اتجاه جديد
غير أن دلالة العملية لا تقف عند الجانب السوري. فعبور القوات الإسرائيلية الحدود بين سوريا ولبنان يفتح منفذاً جبلياً نحو مزارع شبعا، عبر مسار يختلف عن مسارات الضغط التقليدية من الجنوب اللبناني.


واختيار وحدة "الألبينيست" ينسجم مع طبيعة هذا المحور، إذ نتحدث عن تضاريس مرتفعة ووعرة تصلح للاستطلاع والتسلل وفتح منافذ التفاف، أكثر مما تصلح لعمليات برية واسعة.


بهذا المعنى، لم يعد الضغط على "حزب الله" يأتي من الجنوب وحده، بل من الشرق أيضاً، ما يرفع مستوى التهديد على الجبهة اللبنانية، ويعيد رسم خريطة الحركة الإسرائيلية عليها.


ويأتي هذا التطور في وقت كانت الساحة الإقليمية تشهد نقاشاً متصاعداً حيال احتمال تدخل الجيش السوري في لبنان للمساعدة في نزع سلاح "حزب الله". ففي 17 آذار/مارس، ذكرت "رويترز" أن واشنطن شجعت دمشق على التفكير في خطوة تضغط على الحزب من الجهة الشرقية، لكن التردد السوري بقي واضحاً رغم التحشيد العسكري على الحدود.


ومع غياب قرار سوري حاسم، بدا أن المسار الذي طُرح سياسياً ولم يجد طريقه إلى التنفيذ، انتقل إلى الميدان بصيغة مختلفة تماماً: عبر استخدام إسرائيل للجغرافيا السورية نفسها، لا بوصفها ساحة مراقبة، بل بوصفها منفذاً نحو الجبهة اللبنانية.

 

جندي إسرائيلي يقف فوق مدفعية ذاتية الحركة في الجليل الأعلى، قرب الحدود مع جنوب لبنان. (أ ف ب)
جندي إسرائيلي يقف فوق مدفعية ذاتية الحركة في الجليل الأعلى، قرب الحدود مع جنوب لبنان. (أ ف ب)

 

من احتمال إلى مسار فعلي

وتزداد خطورة هذا المسار عند النظر إلى التطورات الأخيرة داخل لبنان نفسه. فقد وجّهت إسرائيل إنذارات إخلاء إلى قرى في البقاع الغربي، في خطوة بدت مؤشراً إلى انتقال الضغط نحو العمق الشرقي، لا الاكتفاء بمحور المواجهة التقليدي في الجنوب. وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير ميدانية عن أن الحملة الإسرائيلية تهدف إلى فصل جنوب لبنان عن بقية البلاد، ضمن مشروع "منطقة أمنية" أوسع، مع تعطيل انتقال الإمدادات والتعزيزات نحو الجبهة الجنوبية.


وعند جمع هذه المعطيات مع العبور من الجبهة الشرقية انطلاقاً من جبل الشيخ، يكتسب الحديث عن محاولة لقطع الصلة بين البقاع والجنوب وزناً أكبر من مجرد انطباع ميداني. فالمسألة لا تتعلق فقط بفتح محور ضغط إضافي على "حزب الله"، بل بإمكانية نشوء كماشة عملياتية: ضغط من الجنوب لتثبيت العزل، وضغط من الشرق لتعقيد الحركة وتوسيع هامش الالتفاف. ورغم غياب مؤشرات حاسمة إلى انتقال إسرائيل إلى خطة فصل مكتملة، فإن هذا التزامن يجعل السيناريو واحداً من أخطر الاحتمالات المطروحة.


ومن شأن هذا التطور أن يساعد إسرائيل على الربط بين عملياتها الجارية في الجنوب اللبناني ونشاطها المستجد انطلاقاً من جبل الشيخ، ما يفتح أمامها مساراً إضافياً للحركة إذا تكرر استخدامه.


وهنا تتبلور الأهمية الاستراتيجية للعملية، فهي لا تكشف فقط دخول الجغرافيا السورية مرحلة جديدة من التوظيف العسكري الإسرائيلي، بل تشير أيضاً إلى أن الضغط على "حزب الله" لم يعد محصوراً بالمحور الجنوبي التقليدي، بل بات قابلاً لأن يأتي من محور ثانٍ ينطلق من الشرق.


ولم يكن هذا التحول خارج السيناريوات المحتملة، ولا يصعب الافتراض أنه كان حاضراً في تقديرات "حزب الله"، الذي يعرف الجبهة السورية جيداً. لكن أهميته تكمن في انتقاله من احتمال قابل للنقاش إلى مسار دخل حيّز الاستخدام العملي.


وهنا، لم يعد السؤال ما إذا كان هذا الاتجاه ممكناً، بل ما إذا كانت إسرائيل ستكتفي باستخدامه المحدود، أم ستسعى إلى تثبيته وتوسيعه في المرحلة المقبلة، وكيفية تعامل "حزب الله" مع هذا التطور.