بين بدائل هرمز وتهديدات إيران... كيف يتغيّر موقع سوريا في الحرب؟
كشف مؤشّران متزامنان مساء الخميس عن تحوّل في موقع سوريا ضمن الحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة. الأول تمثّل في حديث المبعوث الأميركي توم براك عن سوريا بوصفها جزءاً محتملاً من بدائل هرمز والبحر الأحمر عبر خطوط الأنابيب.
أما الثاني فجاء من وكالة "فارس"، التي لوّحت عبر مادّة نشرتها باستهداف مواقع في دمشق، بينها فنادق ومحيط القصر الجمهوري، في حال استمرار نشاط خبراء ومستشارين أجانب فيها.
ولا يعكس تزامن المؤشرين تبدّلاً في الخطاب فحسب، بل يشير إلى اتجاه يدفع سوريا من هامش الحرب إلى صلبها.
دمشق من ساحة إلى معبر
تكمن أهمية تصريح براك في أنه لم يتعامل مع سوريا بوصفها ساحة أمنية أو جبهة اشتباك، بل كمعبر محتمل في معادلة الطاقة. فقد تحدّث عن خطوط الأنابيب لا عن الصواريخ، وأعاد طرح فكرة تحويل سوريا، مع تركيا، إلى عقدة لإعادة توزيع الطاقة في حال تعذّر المرور عبر هرمز والبحر الأحمر.
في المقابل، لا تكتسب مادة "فارس" أهميتها من دقة معلوماتها بقدر ما تستمدّها من رسالتها. فالإعلام الإيراني أدخل دمشق في خطاب تحذيري مرتبط بدور محتمل، لا بموقعها التقليدي في الصراع. لم يعلن أنها هدف، لكنه وضعها بوضوح ضمن دائرة الاستهداف المحتمل.
ويعزّز هذا الاتجاه التنبيه الأمني الذي أصدرته السفارة الأميركية في سوريا، والذي حذّر من تهديدات تستهدف مرافق مدنية، ولا سيما الفنادق التي تستضيف أجانب، ودعا إلى اتخاذ احتياطات أمنية ووضع خطط مغادرة. وهو ما يشير إلى أن التهديد لم يُتعامل معه كمجرد تسريب إعلامي، بل كاحتمال واقعي.
ردع استباقي؟
يصعب فصل تحذير "فارس" عن كلام براك: الأول يلوّح بالاستهداف، والثاني يفتح الباب أمام وظيفة جديدة للجغرافيا السورية. وبينهما، تتشكل معادلة ضغط مزدوجة تدفع دمشق إلى موقع أكثر حساسية.
ويظهر سلوك دمشق خلال الأسابيع الماضية محاولة واضحة للبقاء في منطقة وسطى. فقد عزّزت انتشارها العسكري على الحدود مع لبنان والعراق تحت عنوان الضبط، لكنها تجنّبت الانخراط العلني في أدوار إقليمية أوسع.
وفي هذا السياق، كشفت وكالة "رويترز"، في وقت سابق، عن تشجيع أميركي لدمشق على التفكير في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح "حزب الله"، قبل أن ينفي براك علناً هذا التوجّه. ويعكس هذا التباين أن بعض الأطراف ترى في سوريا لاعباً محتملاً، فيما تحاول دمشق إبقاء هذا الدور في دائرة الغموض.
في الوقت نفسه، اتسعت الحرب إقليمياً على نحو يجعل الحذر السوري مفهوماً. فقد نقلت إيران الضغط إلى دول خليجية حليفة لواشنطن، ما رفع كلفة أيّ تموضع جديد. ومع ذلك، لم تتحوّل سوريا إلى جبهة مباشرة، ما يجعل التهديد الإيراني أقرب إلى ردع استباقي لمنعها من الانخراط في أدوار جديدة، سواء في مسارات الطاقة أو في الضغط على "حزب الله".

جغرافيا مهمّة... وقدرة محدودة
تزداد خطورة هذا الواقع في ظل غياب مظلة دفاع صاروخي فعالة لدى سوريا، في وقت أظهرت فيه الأسابيع الماضية هشاشة وضعها الأمني مع سقوط صواريخ وشظايا في أكثر من منطقة.
هامش ضيّق... ودور مفروض
لم يعد موقع دمشق مرتبطاً فقط برغبتها في البقاء خارج الحرب، بل بالدور الذي قد تُدفع إليه. فالصراع لم يعد يتحرك عبر الجبهات فقط، بل عبر الوظائف: من يمر، ومن يستضيف، ومن يتحوّل إلى بديل.
في هذا السياق، يبدو التهديد الإيراني محاولة مبكرة لمنع انتقال سوريا إلى موقع أكثر حساسية. لكن السؤال الأهم لم يعد هل تريد دمشق هذا الدور، بل هل هي قادرة على تجنّبه.
فمع طرح واشنطن الجغرافيا السورية كممر محتمل، وإدراجها في خطاب التهديد الإيراني، يتقلّص هامش المناورة سريعاً، وترتفع الكلفة المحتملة، سواء على المستوى الأمني أو الداخلي.
في المحصلة، لا تبدو سوريا خارج الحرب ولا داخلها بالكامل، بل جغرافيا قابلة للتوظيف في صراع يتجاوزها، وقد تجد نفسها أمام دور يُفرض عليها قبل أن تقرّر تبنّيه.
نبض