استهداف بارس يُهدّد منظومة الكهرباء العراقية بالانهيار… كيف ستواجه الحكومة الأزمة؟
بغداد - محمد البغدادي
دخل العراق مرحلة طاقة حرجة وغير مسبوقة، بعد توقف إمدادات الغاز الإيراني بشكل مفاجئ، إثر الضربة التي استهدفت حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، في تطور إقليمي ينذر بتداعيات مباشرة على الأمن الكهربائي العراقي، ويضع البلاد أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.
الاعتماد البنيوي على الغاز المستورد
أدى الهجوم الإسرائيلي، الذي طال منشآت الطاقة في الحقل الواقع جنوبي إيران، إلى تعطل جزء من إنتاج الغاز الإيراني، ما دفع طهران إلى وقف تصدير الغاز نحو العراق وتحويل الإمدادات للاستهلاك الداخلي. ووفق بيانات وزارة الكهرباء العراقية، فقد تسبب توقف الغاز الإيراني بخروج أكثر من 3100 ميغاواط من القدرة الإنتاجية عن الخدمة خلال ساعات فقط، وهو رقم يمثل جزءًا أساسياً من الطاقة المجهّزة للشبكة الوطنية، خصوصاً في مناطق الوسط والجنوب ذات الكثافة السكانية العالية.
وتكشف الأزمة الحالية حجم الاعتماد البنيوي للعراق على الغاز المستورد، إذ تؤكد تقديرات رسمية وتقارير دولية أن إيران توفر ما بين 50 إلى 60% من الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء العراقية، وهي محطات صُمّمت أساساً للعمل بالغاز الطبيعي المستورد، ما يجعل أي توقف مفاجئ للإمدادات تهديداً مباشراً لاستقرار المنظومة الكهربائية.
ويقول الخبير في شؤون الطاقة، أحمد عسكر، لـ"النهار"، إنه "يجب الحذر من تداعيات خطيرة قد تواجه منظومة الكهرباء في العراق خلال الفترة المقبلة، على خلفية توقف إمدادات الغاز الإيراني إثر الضربة التي استهدفت حقل بارس الجنوبي؛ واستمرار الانقطاع قد يقود إلى أزمة كهرباء واسعة تهدد استقرار تجهيز الطاقة في معظم المدن العراقية".
ويوضح عسكر بأنّ "العراق يعدّ من أكثر الدول تأثراً بأيّ اضطراب في إنتاج أو تصدير الغاز الإيراني، نظراً إلى اعتماد عدد كبير من محطات توليد الكهرباء على الغاز المستورد لتشغيل وحداتها الإنتاجية، وتوقف الإمدادات انعكس بشكل مباشر على القدرة التوليدية للشبكة الوطنية خلال فترة زمنية قصيرة".
هشاشة منظومة أمن الطاقة
يضيف الخبير العراقي في شؤون الطاقة أنّ "محطات الكهرباء الغازية تمثل العمود الفقري لمنظومة الطاقة في العراق، وأن فقدان الوقود اللازم لتشغيلها يؤدي تلقائياً إلى خروج آلاف الميغاواتات من الخدمة، الأمر الذي يرفع ساعات القطع المبرمج، ويزيد الضغط على الشبكة الوطنية، خصوصاً مع اقتراب موسم الصيف وارتفاع معدلات الاستهلاك".
ويؤكد عسكر أنّ "الأزمة الحالية كشفت هشاشة منظومة أمن الطاقة في البلاد نتيجة الاعتماد الطويل على مصدر خارجي واحد، من دون تطوير بدائل محلية كافية؛ وأي تصعيد إقليمي أو استهداف للبنى التحتية للطاقة في المنطقة يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة داخلية عراقية".
ويحذر من أنّ "السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في استمرار توقف الغاز لفترة طويلة، ما قد يؤدي إلى تراجع كبير في إنتاج الكهرباء، وزيادة الاعتماد على الوقود السائل الأقل كفاءة والأعلى كلفة، فضلاً عن احتمالات حدوث اختناقات تشغيلية قد تسبب انطفاءات واسعة في بعض المحافظات، كما أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على الجانب الخدمي فقط، بل ستمتد إلى القطاعات الاقتصادية والصناعية".
ويشدد عسكر أنّ "على الحكومة اعتماد خطة طوارئ عاجلة تقوم على إدارة الأحمال الكهربائية بشكل منظم، وتشغيل المحطات بالوقود البديل بصورة موقتة، وتسريع الاستفادة من مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي لتعويض جزء من النقص، بالتوازي مع زيادة إنتاج ومعالجة الغاز المحلي المصاحب الذي ما زال يهدر بكميات كبيرة في الحقول النفطية"، مشيراً إلى أن "ما يحدث اليوم يمثل إنذاراً مبكراً يستوجب تحركاً سريعاً لتجنب أزمة كهرباء أعمق خلال الفترة القليلة المقبلة".

ماذا تقول الحكومة؟
من جهته، يقول المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية، أحمد العبادي، لـ"النهار" إن "قرار إيران إيقاف تصدير الغاز إلى العراق يمثّل تحدياً كبيراً أمام استقرار منظومة الطاقة الوطنية؛ وهذا الأمر سينعكس على ساعات تجهيز الكهرباء في عدد من المحافظات، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على الطاقة واقتراب موسم الصيف".
ويوضح العبادي بأنّ "محطات إنتاج الكهرباء العراقية تعتمد بشكل رئيسي على الغاز المستورد لتشغيل عدد من الوحدات التوليدية، وتوقف الإمدادات أدى إلى فقدان جزء مهم من القدرة الإنتاجية، ما يضع المنظومة الكهربائية أمام ضغط تشغيلي غير مسبوق، قد ينعكس على برامج الأحمال خلال الفترة المقبلة".
ويضيف أنّ "وزارة الكهرباء باشرت فوراً تنفيذ خطة طوارئ متعددة المسارات للتقليل من آثار الأزمة، تشمل إعادة توزيع الأحمال بين المحافظات، وزيادة الاعتماد على الوقود البديل مثل زيت الغاز والنفط الأسود لتشغيل بعض المحطات، رغم ارتفاع كلف التشغيل وانخفاض الكفاءة الإنتاجية مقارنة بالغاز الطبيعي".
ويؤكد العبادي أنّ "الحكومة تعمل بالتنسيق مع وزارة النفط لتأمين كميات إضافية من الوقود المحلي لسد جزء من النقص، إلى جانب تسريع مشاريع استثمار الغاز المصاحب، الذي يحرق في الحقول النفطية، باعتباره أحد الحلول الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي مستقبلاً".
ويكشف العبادي عن أنّ "العراق يواصل حواراته الفنية والديبلوماسية مع الجانب الإيراني لإعادة ضخ الغاز في أقرب وقت ممكن، كما أن وزارة الكهرباء تعمل أيضاً على تسريع إدخال مشاريع الطاقة الشمسية إلى الخدمة، وتحسين كفاءة شبكات النقل والتوزيع للحد من الضائعات الفنية، فضلاً عن إطلاق حملات وطنية لترشيد استهلاك الكهرباء خلال المرحلة المقبلة".
ويشدد المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية على أنّ "الحكومة تدرك حساسية الملف الكهربائي بالنسبة إلى المواطنين، وأن جميع المؤسسات المعنية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة لمتابعة تطورات الأزمة بشكل يومي وعلى مدار الساعة واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على استقرار المنظومة ومنع الوصول إلى انقطاعات شاملة".
نبض