لماذا لم يضرب ترامب الحوثيّين بعد تهديدهم باب المندب؟

الخليج العربي 16-09-2026 | 06:22

لماذا لم يضرب ترامب الحوثيّين بعد تهديدهم باب المندب؟

ثمة أكثر من سبب مرجّح يدعو ترامب إلى التمهّل في إطلاق مواجهة عسكرية مع الحوثيين بعد سيطرتهم على معظم الساحل الغربي لليمن.

لماذا لم يضرب ترامب الحوثيّين بعد تهديدهم باب المندب؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستعد لدخول الطائرة الرئاسية بعد مغادرته آيرلندا، 13 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في أحيان كثيرة، تكمن بعض الأجوبة في الملفات الأبعد عن الإضاءة. فكّروا مثلاً في قضية المخزونات الأميركية من الذخائر العسكرية. بعد الحرب على إيران، كانت الصواريخ الدفاعية هي الأكثر عرضة للنقاش والإضاءة.

 

حفظ الناس أسماء منظومات "باتريوت" و"ثاد" عن ظهر قلب. السبب هو الانتشار الواسع للتقارير عن انخفاض مخزونات هذه الذخائر الدفاعية، الأمر الذي ساهم في عرقلة أميركا عن استئناف هجماتها بشكل موسّع ضد إيران. لكن ماذا عن الصواريخ الهجومية؟ خضعت هذه الذخائر لنقاش أقل، بالرغم من أنها لا تقل أهمية في حسابات المعارك العسكرية. ربما يعيد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضرب الحوثيين بعد تقدمهم في المخا وجزر ميون فتح هذا الملف من جديد. 

 

ترامب والذخائر... قيود لا حدود

 

في زاوية معيّنة، قد يكون موضوع انخفاض الذخائر الهجومية أكثر حساسية من نظيرتها الدفاعية. فالأميركيون لم يكونوا مضطرين أساساً إلى استخدام أسلحة هجومية متطورة، خصوصاً تلك المعروفة بأسلحة المواجهة عن بعد (stand-off) ، بسبب ضعف الدفاعات الإيرانية. لكن أميركا فضّلت أقصى درجات الأمان. على سبيل المثال، استخدمت واشنطن في حربها بين ثلث ونصف مخزوناتها تقريباً من صواريخ "توماهوك" الباهظة الكلفة (نحو 3 ملايين دولار للصاروخ). من غير المتوقع أن تعود تلك المخزونات إلى مستوياتها السابقة قبل نهاية العقد الحالي. مصير بعض الصواريخ الأخرى أفضل حالاً بقليل. استخدم الأميركيون ما يزيد عن ألف صاروخ "جاسْم"، لكن مع توقع بأن تعود المخزونات إلى سابق عهدها بحلول منتصف السنة المقبلة، بحسب "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية". ويُقدّر معدّل كلفة تلك الذخائر (جاسْم وجاسْم-إي آر) بنحو 1.5 مليون دولار. وسيكون الجيل الأحدث منها أكثر كلفة.

 

.صاروخ إيه جي إم 158 المعروف اختصاراً باسم جاسم ومن تطوير لوكهيد مارتن(القوات الجوية الأميركية)
.صاروخ إيه جي إم 158 المعروف اختصاراً باسم جاسم ومن تطوير لوكهيد مارتن(القوات الجوية الأميركية)

 

قد يكون الرد أن الولايات المتحدة لن تكون بحاجة إلى ذخائر المواجهة لقصف الحوثيين، بما أن قدراتهم الدفاعية أقل حتى من قدرة الإيرانيين. غير أنّ الحرب الأخيرة شكّلت جرس إنذار بالنسبة إلى سرعة تدهور المخزونات بأسرع من المتوقع، وربما مع نتيجة ذات فاعلية أقل من المتوقع، خصوصاً أن المسرح في شرق آسيا معرّض للاشتعال. علاوة على ذلك، كانت حرب 2025 على الحوثيين مكلفة أيضاً على مستوى استهلاك الذخائر، بما فيها أسلحة المواجهة البعيدة المدى. على سبيل المثال، استهلكت واشنطن بين 75 و100 صاروخ "توماهوك" ضد الحوثيين في تلك الحرب. مع ذلك، وفي حينه، كان هذا الرقم أكبر من كامل الإنتاج السنوي الأميركي لتلك الصواريخ. لا تعني هذه الأرقام وسواها أن أميركا عاجزة عن إعادة الحرب على إيران والحوثيين، إنما فقط تراجع الاندفاعة إلى ذلك، بسبب التفكير بحرب مستقبلية محتملة في مضيق تايوان.

 

ترامب والحسابات الأخرى

 

حتى لو كانت المواجهة مع الحوثيين أقل كلفة على المخزونات الأميركية من المواجهة مع الإيرانيين، يبقى أن الحد الفاصل بين المواجهتين قد يضعف بمرور الوقت ويترك الطرفين أمام حرب واسعة. لغاية اليوم، يبدو أن ترامب وجد "الحل السحري" للتعامل مع إيران وهو انتظار تبلور مفاعيل الحصار البحري عليها. يدرك الرئيس الأميركي أن الهجوم الحوثي الأخير على الساحل الجنوبي الغربي لليمن قد يكون فخاً إيرانياً للتخلي عن خطته الجديدة. يضاف إلى ذلك أن الحوثيين قالوا سابقاً إنهم لا ينوون فرض رسوم على الملاحة في مضيق باب المندب.

 

زورق وسفينة شحن في مضيق باب المندب. (أ ف ب)
زورق وسفينة شحن في مضيق باب المندب. (أ ف ب)

 

ما إذا كان الحوثيون سيلتزمون بتعهدهم أم لا هو أمر متروك الجواب عليه للمستقبل. لكن بالحد الأدنى، لن يرغب ترامب بزيادة هشاشة الوضع هناك. في الوقت نفسه، ليس التصعيد الحوثي في المضيق سهلاً هو الآخر. فعلى الضفة الأخرى منه مصالح لقوى عالمية أخرى مثل الصين وفرنسا وإيطاليا وغيرها. من غير المضمون أن تمارس هذه الدول ضغطاً كبيراً على الحوثيين، لكن ليس من مصلحة هؤلاء المخاطرة بالضغط المفرط على الملاحة في المضيق. مجدداً، قد يقول ترامب في قرارة نفسه: "دعوا الصين وأوروبا تهتمّ بمصالحهما".