استهداف "براكة"... رسائل التصعيد تقترب من الأمن النووي
أعاد استهداف محطة براكة النووية في الإمارات تسليط الضوء على طبيعة التصعيد الإقليمي وحدوده، خصوصاً مع ارتباط الأمر بمنشأة نووية سلمية تُعد من أكثر المشاريع الحيوية حساسية في الخليج. فالمنطقة شهدت خلال الأشهر الماضية استهدافات متكررة لمنشآت نفطية وبنى تحتية حيوية، لكن الاقتراب من مشروع نووي سلمي يفتح نقاشاً مختلفاً يرتبط بالسلامة النووية والأمن الإقليمي وطبيعة الرسائل التي تحملها هكذا اعتداءات.
فـ"براكة" ليست مجرد محطة الطاقة، بل جزء من مشروع إماراتي سيادي يرتبط بالتنمية والتكنولوجيا والطاقة النظيفة، كما تمثل نموذجاً خليجياً للاستقرار والاستثمار طويل الأمد. لذلك، تنظر أبوظبي بجدية إلى أي تهديد يطال منشآت من هذا النوع.
مستوى مختلف من التصعيد
وترتبط حساسية "براكة" بطبيعة الموقع نفسه، باعتباره منشأة نووية سلمية تخضع لرقابة ومعايير دولية صارمة، ما يجعل الاقتراب منها مختلفاً عن بقية الضربات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب الإماراتي محمد فيصل الدوسري لـ"النهار" إن "استهداف محطة براكة يرفع التصعيد إلى مستوى مختلف، سواء كان المنفذ النظام الإيراني أو وكلاءه في المنطقة، لأنه يقترب من منشأة نووية سلمية ومدنية تخضع لأعلى المعايير الدولية".
ويضيف أن "المسألة تمس الأمن الإقليمي والسلامة النووية وثقة المجتمع الدولي"، معتبراً أن "الرسالة الإماراتية واضحة. الدولة لن تقبل أن تتحول منشآتها الحيوية ومشروعها التنموي إلى أدوات ضغط، ولن تسمح لأي طرف أن يختبر صبرها أو يحاول كسر إرادتها".
ويشير الدوسري إلى أن "الإمارات ليست دولة تبحث عن الحرب، لكنها أيضاً ليست دولة تقبل الابتزاز"، معتبراً أن "الرد هنا ليس انفعالاً، بل تثبيت لمعادلة واضحة تقوم على حماية السيادة، وتوثيق الاعتداء، وتحميل المسؤولية، والتحرك ضمن القانون الدولي مع الاحتفاظ الكامل بحق الدفاع عن النفس".
ويرى أن أخطر ما في استهداف "براكة" أنه "يكشف طبيعة السلوك الذي تواجهه المنطقة"، مضيفاً أنه "حين تصل الأمور إلى الاقتراب من منشأة نووية سلمية، فالمسألة لم تعد خلافاً سياسياً أو رسالة عسكرية محدودة، وإنما تهديد شامل للمنطقة والعالم".
قلق من توسّع دور الوكلاء
في المقابل، برزت في الإمارات قراءات تربط التطورات الأخيرة بتوسّع دور الفصائل المرتبطة بإيران في إدارة التصعيد الإقليمي، خصوصاً مع ازدياد الحديث عن تنفيذ هذه الفصائل لعمليات عالية الحساسية بعيداً من المواجهة المباشرة.
ويقول الخبير الإعلامي والكاتب الصحافي الإماراتي محمد الريسي، لـ"النهار"، إن استهداف موقع بهذا الحجم "دليل على استهتار واضح بحياة الناس في المنطقة ككل، وليس فقط في الإمارات".
ويشير إلى أن الإمارات "كانت دائماً حريصة على ألّا تقع مثل هذه الحروب في المنطقة"، لكن "إصرار النظام الملالي في إيران على أن يُدخل نفسه، ويُدخل الشعب الإيراني وشعوب المنطقة في متاهات وأماكن صعبة جداً" دفع الأمور نحو مستويات أكثر خطورة.
ويضيف أن إيران "تستغل ميليشياتها في تطبيق خطتها"، معتبراً أن ذلك "يعطينا دليلاً واضحاً على أن النظام الإيراني لا يملك حواجز، ويستخدم هذه الميليشيات كأنها جنود مجندة عنده".
ويرى الريسي أن "اعتماد طهران بصورة متزايدة على ميليشياتها" قد يكون مؤشراً أيضاً إلى "تراجع في مستوى وقدرات الإيرانيين أنفسهم"، وسعيهم إلى تجنّب المواجهات المباشرة مع دول المنطقة.

هل يتشدد الموقف الخليجي؟
وتكمن خطورة الاقتراب من منشأة بحجم "براكة" في نقل الضغط الإقليمي إلى المساحات المرتبطة بالطاقة والاستقرار الاقتصادي والمشاريع السيادية الخليجية، وهي ملفات تعاملت معها دول الخليج بوصفها خطوطاً شديدة الحساسية.
كذلك، تعكس ردود الفعل الإماراتية تمسكاً واضحاً بحماية الاستقرار الإقليمي ومنع تحويل المنشآت المدنية والمشاريع التنموية إلى ساحات رسائل أمنية أو أدوات ابتزاز سياسي، خصوصاً أن استهداف منشأة نووية سلمية يضع الجهة المنفذة أمام تداعيات تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى أبعاد تتعلق بالأمن الدولي والسلامة النووية وثقة المستثمرين واستقرار المنطقة ككل.
وفي ظل ذلك، تبدو أبوظبي حريصة على تثبيت معادلة واضحة عنوانها أن المشاريع السيادية والمنشآت الحيوية التي بنت عليها دول الخليج صورة الاستقرار والتنمية تبقى خارج أي محاولات للضغط أو فرض الرسائل الأمنية بالقوة.
نبض