بمشاريع الإعمار ومن دونها... ما الذي يبقى من غزة وشعبها في 2026؟
لا يمكن الحديث عن خطة لإعادة إعمار قطاع غزة من دون توافر العديد من العوامل الرئيسية، أو التأسيسية، وفي مقدمها استعادة الأمن والاستقرار لمليونين من الفلسطينيين، ووجود رؤية سياسية واضحة، في ما خص اليوم التالي، وتوضيح الهدف من الإعمار.
هذا يعني أن مسيرة إعادة الإعمار التي انبثقت عن توافقات عربية وإقليمية ودولية، مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتطلب توافر قابلية من الطرفين المعنيين، من ضمنها نزع سلاح "حماس"، وخروجها من المشهد السياسي. في المقابل، تتطلب من إسرائيل وقف حربها ضد فلسطينيي القطاع، وانسحابها منه، والسماح بدخول قوافل المساعدات إليه.
يتطلب ذلك أيضاً تحديد الرؤية السياسية لمستقبل القطاع، فيما إذا كان سيقتطع، أو ينفصل، من جسم الكيان الفلسطيني كوحدة بذاتها، أو إذا كانت إسرائيل ستبقى فيه كسلطة احتلال، أو إذا كان سيمر بمرحلة انتقالية يؤول بعدها إلى تابعية السلطة الفلسطينية، باتجاه هدف الدولة الفلسطينية.
إضافة إلى كل ذلك، ستظل إعادة الإعمار مثار شبهات بشأن غاية كل طرف، إذ ثمة من يريد منها تمكين مليوني فلسطيني من العيش في غزة، وثمة من يتوخّى خلق وقائع تؤدي إلى اختفاء القطاع، بتغيير معالمه، وثمة من يهدف الى تصعيب عيش الفلسطينيين، ودفعهم خارجه، بطرق غير مباشرة.

بكلام أخر، إعادة إعمار قطاع غزة يتطلب تحديد ما تريده الأطراف الفاعلة، أو المتحكمة، بالترتيبات الجارية في منطقة المشرق العربي، إذ تشكيله كـ"ريفيرا" أو منطقة تكنولوجية، وذكية، مع أبراج، وشواطئ، يؤسس الى إخفائه، شكلاً ومضموناً، وتحويل المقيمين، القادرين على العيش فيه، في تلك الظروف، إلى مجرد سكان مستلبين في التاريخ والجغرافيا والثقافة ونمط العيش والسياسة، وأيدٍ عاملة، مع دفع كتل كبيرة من غير القادرين على تحمل تكلفة العيش فيه إلى خارجه. وهذه فلسفة تتبناها الدوائر الأميركية والإسرائيلية، والشركات التي تركض وراء الاستثمار، ومراكمة الأرباح، بحسب مشروع "شروق الشمس" الذي رسمه المبعوثان الرئاسيان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
طبعاً، لا يوجد وضع مثالي بعد هذا الخراب كله في غزة، إذ 80 إلى 90% من عمرانها وبناها التحتية بات مجرد ركام، مع مليونين من الفلسطينيين من دون دخل، تعيش غالبيتهم على المساعدات الخارجية، وتحت هيمنة القوات الإسرائيلية الباطشة، في منطقة فقيرة بالموارد الطبيعية.
ولعل ما يفترض التنويه به هنا هو أن تكلفة إعادة الإعمار تراوح بين 50 و120 مليار دولار، وأن المدى الزمني الذي قد تستغرقه هذه العملية قد يصل إلى عقد أو عقدين من الزمن بحسب مشروع كوشنر وويتكوف (32 صفحة)، الذي يتضمن بناء مدينة تكنولوجية حديثة و"مدينة ذكية" مستقبلية تشمل مناطق سكنية، وبنى تحتية متطورة، وقطارات فائقة السرعة، وأنظمة ذكاء اصطناعي، وقطاع خدمات ومرافق متقدمة، بتكلفة قدرها نحو 112 مليار دولار، بتوقع مساهمة الولايات المتحدة بنحو 20% من التمويل، والباقي من دول عربية وشركاء دوليين.

في أي حال، إعادة الإعمار، وتأمين التمويل له، على أي نحو كان، وبأي توجه، سيبقى منوطاً، بتشكيل "مجلس السلام"، كهيئة إشرافية، أو بالأحرى وصائية، على قطاع غزة، برئاسة دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وعضوية العديد من القادة الدوليين والإقليميين، وبتشكيل الإدارة التنفيذية، التي يفترض أن تتشكل من تكنوقراط فلسطينيين، وبالقوة العسكرية الدولية التي يُنتظر أن تتشكل من جنود دول عربية، مثل مصر والأردن وقطر، ودول إقليمية وإسلامية مثل تركيا وباكستان وأندونيسيا وأذربيجان، إضافة إلى دول غربية، بقيادة أميركية طبعاً، لفرض الأمن والاستقرار في قطاع غزة، وهذا كله سيتبين في المؤتمر المزمع عقده، على هامش مؤتمر "دافوس"، في الشهر المقبل.
خلال حرب الإبادة الوحشية التي استمرت عامين، دمرت إسرائيل 300 ألف وحدة سكنية كلياً، و200 ألف وحدة جزئياً، وأخرجت 25 مستشفى من 38 عن الخدمة، وتضررت 95% من المدارس، وخرجت 85% من مرافق المياه عن العمل، ويحتاج القطاع لإزالة نحو 55 مليون طن من الركام.
على ذلك، ومع أهمية إعادة إعمار غزة، لفلسطينيي غزة، فإن السؤال المهم الآن، وفقاً للمعطيات السياسية والأمنية والاقتصادية للإعمار: ما الذي سيبقى من قطاع غزة أو ما الذي سيتبقى من شعبها؟ مع الإعمار، أو من دونه؟
نبض